ابن حمدون
362
التذكرة الحمدونية
وفعله ، حتى لا يتسلَّط الهوى على حكمه ، ولا يعترض الميل دون عدله ، وأن يبسط للمتظلَّمين وجهه ، ويوطَّىء لهم كنفه ، ويبذل لهم بشره ، ويرعيهم سمعه ، ويمكَّنهم من استقصاء حججهم ، والإبانة عن حقوقهم ، وأن لا يخلو بأحد من [ 1 ] الخصماء دون صاحبه ، ولا يمنعه ما يعطيه خصمه . قال اللَّه جلّ ذكره * ( ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله . إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ) ) * ( ص : 26 ) . وأمره أن يحضر الخصوم خاطره ، ويجمع لهم رأيه ، ويصرف إليهم باله ، ويفرّغ لأحكامهم ذهنه ، فإذا ترافعوا إليه في خصومة طلب حكمها في نصّ الكتاب ، أو ثبت السنّة وإجماع المسلمين واجتهاد الرأي ، فان تلك وجوه النظر في الحكم وطريق إصابة الحقّ ، ومن أخذ بالقرآن اهتدى ، ومن اتبع السنة نجا ، ومن تمسك بالاجماع سلم ، ومن بذل الوسع أعذر . قال اللَّه تعالى : * ( ( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ الله ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً . واسْتَغْفِرِ الله إِنَّ الله كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) ) * ( النساء : 105 - 106 ) . منه : هذا عهد أمير المؤمنين إليك ، والحجة لك وعليك ، قد أعذر أمير المؤمنين فيه وأنذر ، وبصّر وحذّر ، ولم يألك وعظا ، ولم يدّخرك حظا ، وأقامك على سبيل القصد ، وبذل في تسديدك غاية الجهد ، وظنّه بك الاصغاء إلى التذكَّر ، والاقتداء بالتبصّر ، والعمل في ولايتك لآخرتك ، والأخذ من عاجلتك لآجلتك . فكن عند ظن أمير المؤمنين بك ، وقف عند مخيلته فيك ، واجعل عهده إماما تقتفيه ، ومثالا تحتذيه ، وناج بوصيّته نفسك ، واعمر بتأديبه قلبك ، وأنه إليه أخبارك ، واعرض عليه آثارك ، واستدلله على ما يعضلك [ 2 ] واسترشده